فصل: تفسير الآيات (159- 171):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (142- 153):

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153)}
{إِنَّ المنافقين يخادعون الله} أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفاً لهم {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى. والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. وقيل: يجزيهم جزاء خداعهم. {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى} متثاقلين كراهة، أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن وهو جمع كسلان كسكارى في سكران {يُرَاءَونَ الناس} حال أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة. والمرأة مفاعلة من الرؤية لأن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحساناً {وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً} ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً نادراً. قال الحسن: لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً {مُّذَبْذَبِينَ} نصب على الذم أي مردّدين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب {بَيْنَ ذلك} بين الكفر والإيمان {لآَ إلى هؤلاءآء} لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين {وَلآَ إِلَى هؤلاءآء} ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} طريقاً إلى الهدى.
{يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} حجة بينه في تعذيبكم {إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار} أي في الطبق الذي في قعر جنهم، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. وإنما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلاً، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. والدرك بسكون الراء: كوفي غير الأعشى، وبفتح الراء: غيرهم. وهما لغتان، وذكر الزجاج أن الاختيار فتح الراء. {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} يمنعهم من العذاب {إِلاَّ الذين تَابُواْ} من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في {ولن تجد لهم نصير} {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق {واعتصموا بالله} ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه {فأولئك مَعَ المؤمنين} فهم أصحاب المؤمنين ورفاقهم في الدارين {وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً} فيشاركونهم فيه.
وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ. ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال: {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} لله {وَءَامَنتُمْ} به ف {ما} منصوبة ب {يفعل} أي أي شيء يفعل بعذابكم؟ فالإيمان معرفة المنعم، والشكر الاعتراف بالنعمة، والكفر بالمنعم والنعمة عناد، فلذا استحق الكافر العذاب. وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان {وَكَانَ الله شاكرا} يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل من الثواب {عَلِيماً} عالماً بما تصنعون.
{لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول} ولا غير الجهر ولكن الجهر أفحش {إَلاَّ مَن ظُلِمَ} إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه {وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ} [الشورى: 41] {وَكَانَ الله سَمِيعاً} لشكوى المظلوم {عَلِيماً} بظلم الظالم. ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيباً للعفو فقال: {إِن تُبْدُواْ خَيْراً} مكان جهر السوء {أَوْ تُخْفُوهُ} فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال: {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء} أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله {فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته.
{إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام والإنجيل والقرآن، وكالنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً} أي ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما {أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون} هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل {حَقّاً} تأكيد لمضمون الجملة كقولك {هذا عبد الله حقاً} أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه {وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً} في الآخرة {والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} وإنما جاز دخول {بين} على {أحد} لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما {أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ} وبالياء: حفص {أُجُورَهُمْ} أي الثواب الموعود لهم {وَكَانَ الله غَفُوراً} يستر السيئات {رَّحِيماً} يقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم يؤتيه أجره، ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل تحت الوعد، وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة والرحمة لأنه قال: {وكان الله غفوراً رحيماً} وهم يقولون: ما كان الله غفوراً رحيماً في الأزل ثم صار غفوراً رحيماً.
ولما قال فنحاص وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل {يَسْئَلُكَ أَهْلِ الكتاب أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو {كتابا مّنَ السماء} أي جملة كما نزلت التوراة جملة، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت. وقال الحسن: ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن {فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك} هذا جواب شرط مقدر معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم {فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً} عياناً أي أرنا نره جهرة {فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة} العذاب الهائل أو النار المحرقة {بِظُلْمِهِمْ} على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه، أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم في سؤال الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كإنزال القرآن جملة، ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال: {رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] وما أخذته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم {ثُمَّ اتخذوا العجل} إلهاً {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} التوراة والمعجزات التسع {فَعَفَوْنَا عَن ذلك} تفضلاً ولم نستأصلهم {وَءَاتَيِْنَا مُوسَى سلطانا مُّبِيناً} حجة ظاهرة على من خالفه.

.تفسير الآيات (154- 158):

{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)}
{وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم} بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه {وَقُلْنَا لَهُمُ} والطور مطل عليهم {ادخلوا الباب سُجَّداً} أي ادخلوا باب إيلياء مطأطئين عند الدخول رؤوسكم {وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ} لا تجاوزوا الحد {تَعدّوُا}: ورش {تعدوا} بإسكان العين وتشديد الدال: مدني غير ورش وهما مدغماً {تعتدوا} وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية، وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين {فِى السبت} بأخذ السمك {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً} عهداً مؤكداً.
{فَبِمَا نَقْضِهِم} أي فبنقضهم و{ما} مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله {حرمنا عليهم طيبات} تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم، وقوله {فبظلم من الذين هادوا} بدل من قوله {فبما نقضهم} {ميثاقهم} ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك {وَكُفْرِهِم بئايات الله} أي معجزات موسى عليه السلام {وَقَتْلِهِمُ الأنبياء} كزكريا ويحيى وغيرهما {بِغَيْرِ حَقٍّ} بغير سبب يستحقون به القتل {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} هو رد وإنكار لقولهم {قلوبنا غلف} {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} كعبد الله بن سلام وأصحابه {وَبِكُفْرِهِمْ} معطوف على {فبما نقضهم} أو على ما يليه من قوله: {بكفرهم}. ولما تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض: {وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً} هو النسبة إلى الزنا {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح} سمي مسيحاً لأن جبريل عليه السلام مسحه بالبركة فهو ممسوح، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح {عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله} هم لم يعتقدوه رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6] ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك.
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ} روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير. فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.
وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون، {وشبه} مسند إلى الجار والمجرور وهو {لهم} كقولك (خيل إليه) كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه. أو مسند إلى ضمير المقتول لدلالة {إنا قتلنا} عليه كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه {وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ} في عيسى يعني اليهود قالوا: إن الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، أو اختلف النصارى قالوا: إله وابن إله وثالث ثلاثة {لَفِى شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم يعني ولكنهم يتبعون الظن. وإنما وصفوا بالشك وهو أن لا يترجح أحد الجانبين، ثم وصفوا بالظن وهو أن يترجح أحدهما، لأن المراد أنهم شاكون مالهم به من علم ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا فذاك. وقيل: وإن الذين اختلفوا فيه أي في قتله لفي شك منه أي من قتله لأنهم كانوا يقولون إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى! {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي قتلاً يقيناً، أو ما قتلوه متيقنين، أو ما قتلوه حقاً فيجعل {يقيناً} تأكيداً لقوله {وما قتلوه} أي حق انتفاء قتله حقاً {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء {وَكَانَ الله عَزِيزاً} في انتقامه من اليهود {حَكِيماً} فيما دبر من رفعه إليه.

.تفسير الآيات (159- 171):

{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)}
{وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} {ليؤمنن به} جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ونحوه {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى عليه السلام وبأنه عبد الله ورسوله يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. أو بالكتاب الضميران لعيسى يعني وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله. رُوي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، أو الضمير {في به} يرجع إلى الله أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم والثاني إلى الكتابي {وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله {فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} وهي ما ذكر في سورة الأنعام {وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] الآية. والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا {وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله} وبمنعهم عن الإيمان {كَثِيراً} أي خلقاً كثيراً أو صداً كثيراً {وَأَخْذِهِمُ * الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه {وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل} بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة {وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ} دون من آمن {عَذَاباً أَلِيماً} في الآخرة {لكن الراسخون في العلم} أي الثابتون فيه المتقون كابن سلام وأضرابه {مِنْهُمْ} من أهل الكتاب {والمؤمنون} أي المؤمنون منهم والمؤمنون من المهاجرين والأنصار. وارتفع {الراسخون} على الابتداء {يُؤْمِنُونَ} خبره {بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ} أي القرآن {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي سائر الكتب {والمقيمين الصلاة} منصوب على المدح لبيان فضل الصلاة، وفي مصحف عبد الله {والمقيمون} وهي قراءة مالك بن دينار وغيره {والمؤتون الزكواة} مبتدأ {والمؤمنون بالله واليوم الآخر} عطف عليه والخبر {أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} وبالياء: حمزة.
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا {كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ} كهود وصالح وشعيب وغيرهم.
{وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ} أي أولاد يعقوب {وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} {زُبوراً}: حمزة مصدر بمعنى مفعول سمي به الكتاب المنزل على داود عليه السلام {وَرُسُلاً} نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك وهو أرسلنا ونبأنا {قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} من قبل هذه السورة {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} سأل أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء قال:
«مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً» قال: كم الرسل منهم؟ قال: «ثلثمائة وثلاثة عشر أول الرسل آدم وآخرهم نبيكم محمد عليه السلام وأربعة مِن العرب هود وصالح وشعيب ومحمد عليه السلام» والآية تدل على أن معرفة الرسل بأعيانهم ليست بشرط لصحة الإيمان بل من شرطه أن يؤمن بهم جميعاً إذ لو كان معرفة كل واحد منهم شرطاً لقص علينا كل ذلك {وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} أي بلا واسطة.
{رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً، ويجوز أن يكون بدلاً من الأول، وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً. واللام في {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} يتعلق ب {مبشرين} ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا بما وجب الانتباه له، ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالعقل {وَكَانَ الله عَزِيزاً} في العقاب على الإنكار {حَكِيماً} في بعث الرسل للإنذار.
ولما نزل {إنا أوحينا إليك} قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل {لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحته بإظهار المعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم {والملئكة يَشْهَدُونَ} لك بالنبوة {وكفى بالله شَهِيداً} شاهداً وإن لم يشهد غيره {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} ومنعوا الناس عن سبيل الحق بقولهم للعرب {إنا لا نجده في كتابنا} {قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً} عن الرشد {إِنَّ الذين كَفَرُواْ} بالله {وَظَلَمُواْ} محمداً عليهم السلام بتغيير نعته وإنكار نبوته {لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ} ما داموا على الكفر {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} وكان تخليدهم في جهنم سهلاً عليه، والتقدير يعاقبهم خالدين فهوحال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر.
{يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ} أي بالإسلام أو هو حال أي محقاً {فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ} وكذلك {انتهوا خَيْراً لَّكُمْ} انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال: {خيراً لكم} أي اقصدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان به والتوحيد {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا في السماوات والأرض} فلا يضره كفركم {وَكَانَ الله عَلِيماً} بمن يؤمن وبمن يكفر {حَكِيماً} لا يسوي بينهما في الجزاء.
{يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ في دِينِكُمْ} لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق} وهو تنزيهه عن الشريك والولد {إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ} لا ابن الله {رَسُولُ الله} خبر المبتدأ وهو {المسيح} و{عيسى} عطف بيان أو بدل {وَكَلِمَتُهُ} عطف على {رسول الله}. وقيل له {كلمة} لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام {ألقاها إلى مَرْيَمَ} حال {وقد} معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها {وَرُوحٌ} معطوف على الخبر أيضاً. وقيل له {روح} لأنه كان يحيي الموتى كما سمي القرآن روحاً بقوله {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] لما أنه يحيي القلوب {مِّنْهُ} أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا في السموات وَمَا فِي الارض جَمِيعاً مّنْهُ} [الجاثية: 13] وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن في كتابكم حجة على أن عيسى من الله {فَئَامِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة} خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة {انتهوا} عن التثليث {خَيْراً لَّكُمْ}. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله: {أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116]. {وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30]. {إِنَّمَا الله} مبتدأ {إِلَهٌ} خبرة {واحد} توكيد {سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد {لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا في الأرض} بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزءًا منه. إذ البنوة والملك لا يجتمعان، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً {وكفى بالله وَكِيلاً} حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما، ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه.
ولما قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا عيسى؟ قال: «وأي شيء أقول؟» قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله. قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبد الله» قالوا: بلى، نزل قوله تعالى: